ابن عبد الرحمن الملطي

96

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع

وقال : ( الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ ) [ 404 ] ثم قال : ( خَلَقَ الْإِنْسانَ ) [ 405 ] ولو شاء لقال : الرحمن خلق القرآن ، غير أن الله عز وجل لا يسمى الأشياء إلا باسم الحق والصدق . وقال : ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ) [ 406 ] ألا ترى إلى قوله : ( الرَّحْمنُ ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ ) يخبر بخلق غير خلق القرآن ، فلا حجة لجهم المارق ولا من تبعه فافهم . وأنكر جهم أن الله كلم موسى تكليما ، والله يقول : ( وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ) [ 407 ] وقال لموسى عليه السلام ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ) [ 408 ] وقال : ( فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ) [ 409 ] ، وقال : ( وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ) [ 410 ] ، وقال : ( وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى ) [ 411 ] ، وقال : ( فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [ 412 ] ، وقال : ( فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ) [ 413 ] ، وقال : ( وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ) [ 414 ] ، وقال : ( وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ) [ 415 ] . فأما الأثر فإن كعبا [ 416 ] قال : لما كلم الله موسى كلمه بالألسن كلها قبل أن يكلمه بكلامه . قال له موسى : أي رب أهذا كلامك ؟ قال : لا ، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم أو لم تك شيئا ، قال : رب فهل من خلقك من يشبه كلامه كلامك قال : أشد خلقي شبها بكلامي ما تسمعون من هذه الصواعق . وقال وهب [ 417 ] نودي من الشجرة فقيل : يا موسى ، فأجاب سريعا وما يدرى من دعاه ، وما سرعة إجابته إلا أنسا بالأنس فقال : لبيك إني لأسمع صوتك ، ولا أرى مكانك فأين أنت ؟ قال : أنا فوقك ومعك وأمامك وخلقك وأقرب إليك من نفسك ، فلما سمع موسى عليه السلام علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه عز وجل فأيقن به فقال : كذلك